جيل – نورس يكن 

كغيره من غالبية شعوب الأرض؛ يعتبر الشعب السوري شغوفًا بمتابعة الرياضة خصوصًا كرة القدم، ويظهر ذلك جليًا في مستوى أنديته التي قارعت كبار القارة الآسيوية وتوّجت سلسلة من المشاركات الناجحة في البطولات القارية بفوز نادي الاتحاد ” الأهلي”، ببطولة كأس الاتحاد الأسيوي عام 2010 على حساب القادسية الكويتي وينحدر النادي من حلب حاملة لقب أخطر مدينة في العالم الأعوام الماضية، والتي عاشت أيامًا دامية مع نهاية العام 2016، انتهت بسيطرة نظام الأسد على كافة أحيائها.

الجمهور السوري من الجماهير المعروفة في الرياضة العربية، وصور ملاعبه لاسيما استاد حلب الدولي، وملعب خالد بن الوليد في حمص خير شاهد على أجمل الذكريات والأجواء التي كانت تُرهب الخصوم وتُبهر المتابعين، والتي وصفها أحد المحلّلين العرب ذات مرّة بالأوروبية، هذه الرياضة وهذا الشغف الجماهيري الفريد كغيره من أشكال حياة السوريين وفعالياتهم، تحوّل في خضم حرب النظام السوري على شعبه إلى أحد أشكال المآسي التي يعيش السوريون مرّها يوميًا.

في عام 2013 أنشأ رياضيون سوريون تجمّعًا لاستئناف العمل الرياضي، بعيدًا عن الاتحاد الرياضي العام التابع للقيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، حيث لم تكن الرياضة السورية تحت إشراف أي هيئة حكومية؛ إنما تحت إشراف الحزب الذي بقي يُنعت 50 عامًا بـ “الحزب القائد للدولة والمجتمع”.

هذا التجمّع حمل اسم “الهيئة العامّة للرياضة والشباب في سورية” ووثق خلال سنوات عمله وعبر جهود أعضائه اعتقال وتصفية عشرات الرياضيين السوريين من كافة الألعاب حيث يرى الرئيس المؤقّت للهيئة عروة قنواتي، أن النظام تفنّن بالانتهاكات في حق الرياضة السورية، ويقول في حديث إلى “جيل”، إن الانتهاكات تنقسم إلى عدّة أنواع وأبرزها تصفية الرياضيين المناهضين للنظام، ونقصد بالتصفيّة التعذيب حتى الموت داخل المعتقلات، كما حصل مع اللاعب السوري إياد قويدر لاعب نادي الوحدة الدمشقي في سنة 2013، وقد كُشف عن جثّته ضمن صور “قيصر المسرّبة” مع عدد من الرياضيين الآخرين، منهم مدرّب الجودو محمد ظريفة، وكان آخر الضحايا نجم منتخب سورية جهاد قصّاب يضيف قنواتي.

هنالك انتهاك من نوع آخر يخصّ الاختفاء القسري، كما حصل مع رانيا العباسي بطلة العرب في الشطرنج، وعائلتها المكونة من خمسة أطفال وزوجها، وهم معتقلون منذ عام 2013 ولا يوجد أي خبر عنهم.

اعتداءات النظام لم تقتصر فقط على الرياضيين؛ بل طاولت البنى التحتية الرياضية حيث استخدمها كـ معتقلات وثكنات عسكرية، مثل الصالة الرياضية في بانياس التي حُوّلت لمعتقل، أو استاد حلب الدولي الذي اعتُبر أكبر ملعب عربي سنة افتتاحه والتاسع على مستوى قارة آسيا، ويستخدم اليوم كثكنة عسكرية، أما المنشآت التي دخلت مناطق سيطرة المعارضة، فكان مصيرها القصف بحسب قنواتي الذي قال “في الأشهر الستة الأخيرة قصف النظام والطيران المعادي الروسي، عددًا من الملاعب والصالات في محافظة إدلب، مما أدّى إلى خروجها عن الخدمة إما كليًا أو جزئيًا، كما حصل في ملعب نادي سراقب وصالة التربية وصالة كرة الطاولة، فيما استهدف مركز تدريب الشطرنج في حي الوعر بحمص وصالة الرياضة للأطفال في حي الكلاسة بحلب، ومركز تدريب الكاراتيه في حلب وغيرها من الأندية والبنى التحتية في غوطة دمشق وفي درعا”.

رغم الواقع المعاش يرى القائمون على الرياضة السورية في مناطق المعارضة، أن المسيرة من المهمّ أن تستمر لإبراز الهويّة الرياضية السورية، التي عانت من ظلم واستبداد القائمين على الرياضة في سورية، ودعم كل من اتخذ موقفًا أخلاقيًا إلى جانب الشعب السوري مع الاستمرار في كشف الانتهاكات التي يرتكبها النظام في حق الملاعب والصالات والبنى التحتية الرياضية، وقوائم القتل والاعتقال التي تطاول الرياضيين، كما يشير رئيس الهيئة العامة في سورية إلى رغبتها بالتواصل مع الاتحادات الدولية بهدف وقف مشاركة المنتخبات التابعة للنظام في البطولات الدولية، مع الإشارة إلى صعوبة هذه العملية ووصفها بـ “السياسية البحتة”، مشددًا على ارتباطها بشكلٍ وثيق بالقرار الدولي المتحكمّ بما يجري في سورية حسب تعبيره .

في العاشر من آذار/ مارس، احتفلت الهيئة العامة للرياضة والشباب في سورية بالذكرى السنوية الرابعة لانطلاقتها من خلال عدّة نشاطات أقامتها في عنتاب وأماكن أخرى، ودخلت الهيئة عامها الجديد بمنجزات مهمّة أبرزها انتخابات الاتحادات التي جرت في عدّة محافظات سورية، مسجلّة أول انتخابات ديمقراطية في جسم معارض للنظام السوري، وقالت الهيئة في بيان لها “تدخل الهيئة العامة للرياضة والشباب في سورية هذا اليوم عامها الرابع، بمعنويات مرتفعة وإصرار يزداد ويكبر في كل ساعة وكل يوم بتفاعل الرياضيين السوريين الأحرار في مختلف أنحاء الوطن وفي دول المهجر”.

وهنا يبقى موقف الاتحادات الدولية من كل الانتهاكات التي يقوم بها نظام الأسد، ومن كل النجاحات التي حققتها الرياضة السورية الحرّة طوال السنوات الماضية يشكّل النقطة الأكثر جدلًا فيما يخصّ الرياضة السورية، وبالأخص موقف الاتحاد الدولي لكرة القدم ” FIFA ” والذي لم يحرّك ساكنًا تجاه اتحاد كرة القدم في دمشق، والذي ينتهك جميع اللوائح الدولية للعبة، مع العلم أن الاتحاد الدولي اتخذ مواقف صارمة في السابق تجاه وقائع أقل بكثير من تلك التي تحدث في سورية، وأبرزها موقفه من الاتحاد الكويتي حين علق عضوية الكويت مانعًا منتخبها الوطني من المشاركة في تصفيات كأس العالم الحالية، بحجة أن القرار الرياضي في الكويت “غير مستقل”، ما يجعلك تعتقد أن اعتقال اللاعبين وقتلهم وتحويل الملاعب إلى ثكنات في سورية، يبدو استقلالًا رياضيًا وحرفية من وجهة نظر “الفيفا”.